عبودية وروحانية الصلاة

رجل يؤدي الصلاة.

ومَن ذاق طعم الصلاة عَلمَ أنه لا يقوم مقام التكبير والفاتحة غيرهما، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلَكل عبودية من عبودية الصلاة سر وتأثير وعبودية لا تحصل في غيرها.

عبودية دعاء الإستفتاح:

فإذا قال: “سبحانك اللهم وبحمدك” وأثنى على الله تعالى بما هو أهله، فقد خرج بذلك عن الغفلة وأهلها، فإن الغفلة حجاب بينه وبين الله. وأتى بالتحية والثناء الذي يُخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيمًا له وتمهيدًا، وكان ذلك تمجيدًا ومقدمة بين يدي حاجته. فكان في الثناء من آداب العبودية، وتعظيم المعبود ما يستجلب به إقباله عليه، ورضاه عنه، وإسعافه بفضله حوائجه.

حال العبد في القراءة والإستعاذة:

فإذا شرع في القراءه قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه أحرص ما يكون على خُذلان العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقامات العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه، وانتفاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطله، وألقى فيه الوساوس ليشغله بذلك عن القيام بحق العبودية بين يدي الرب تبارك وتعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه وليحي قلبه، ويستنير ما يتدبره ويتفهمه من كلام الله سيِّده الذي هو سبب حياة قلبه، ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص شيء على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة.

ولما علم الله سبحانه وتعالى حَسَد العدو للعبد، وتفرْغه له، وعلم عجز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه، ويلتجئ إليه في صرفه عنه، فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته ومقاومته، وكأنه قيل له: لا طاقة لك بهذا العدو، فاستعذ بي أعيذك منه، واستجر بي أجيرك منه، وأكفيكه وأمنعك منه.

نصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية لابن القيم:

وقال لي شيخ الإسلام ابن تيمية (قدس الله روحه ونور ضريحه) يومًا: “إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته، ومدافعته، وعليك بالراعي فأستغث به فهو يصرف عنك الكلب، ويكفيكه. فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أبعده عنه.

فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المونقة وشاهد عجائبه التي تبهر العقول، واستخرج من كنوزه وذخائره ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكان الحائل بينه وبين ذلك، النفس والشيطان، فإن النفس منفعلة للشيطان، سامعة منه، مطيعة فإذا بَعُدَ عنها، وطُرد ألم بها الملَك، وثبتها وذكرها بما فيه سعادتها ونجاتها.

فإذا أخذ العبد في قراءة القرآن، فقد قام في مقام مخاطبة ربِّه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمَقته وسخطه، بأن يناجيه ويخاطبه، وقلبه معرِض عنه، ملتفت، إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقته، ويكون بمنزلة رجل قربه ملك من ملوك الدنيا، وأقامه بين يديه فجعل يخاطب الملك، وقد ولاه قفاه، أو التفت عنه بوجهه يَمنَة ويسرة، فهو لا يفهم ما يقول الملك، فما الظن بمقت الملك لهذا. فما الظن بمقت الملك الحق المبين رب العالمين وقيوم السماوات والأرضين”.

حال العبد في الفاتحة:

فينبغي بالمصلي أن يقف عند كل آية من الفاتحه وقفة يسيرة، ينتظر جواب ربه له، وكأنه يسمعه وهو يقول: “حمدني عبدي” إذا قال: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

فإذا قال: “الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” وقفَ لحظة ينتظر قوله: “أثنى عليَّ عبدي”.

فإذا قال: “مَالِكِ يَوْمِ الدِّين” انتظر قوله: “مجدني عبدي”.

فإذا قال: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.” انتظر قوله تعالى: “هذا بيني وبين عبدي”.

فإذا قال: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.” إلى آخرها انتظر قوله: “هذا لعبدي ولعبدي ما قال”.

ومَن ذاق طعم الصلاة عَلمَ أنه لا يقوم مقام التكبير والفاتحة غيرهما مقامها، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلَكل عبوديته من عبودية الصلاة سر وتأثير وعبودية لا تحصل في غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووجد يخُصها لا يوجد في غيرها.

فعند قوله: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.” تجد تحت هذه الكلمة إثبات كلّ كمال للرب وصفًا واسمًا، وتنزيهه سُبحَانه وبحمده عن كلِّ سوء، فعلًا ووصفًا واسمًا، وإنما هو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، مُنزه عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه. فأفعاله كلّها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل ولا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال، ونعوت جلال، وأسماؤه كلّها حُسنى.

من معاني الحمد:

وحمده تعالى قد ملأ الدنيا والآخرة، والسموات والأرض، وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر كله صادر عن حمده، وقائم بحمده، ووجوده وعدمه بحمده، فحمدُه هو سبب وجود كل شيء موجود، وهو غاية كل موجود، وكل موجود شاهد بحمده، فإرساله رسله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرت بأهلها بحمده، والنَار عُمرت بأهلها بحمده، كما أنها إنما وجدتا بحمده. وما أُطيع إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده، فهو سبحانه وتعالى المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد.

كما أنه هو الواحد الأحد، وإن لم يوحِّده العباد، وهو الإله الحقُّ وإن لم يؤلهه، سبحانه هو الذي حمِد نفسه على لسان الحامد كما قال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سَمعَ اللهُ لمن حَمدَه.”

فهو الحامدُ لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه هو الذي أجرى الحمدَ على لسانه وقلبه، وأجزأه بحمده فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، علانيته وسره. فهذه المعرفة نبذة يسيرة من معرفة عبودية الحمد، وهي نقطة من بحر لُجي من عبوديته.

ومن عبوديته أيضًا: أن يعلم أن حمده لربه نعمة مِنه عليه، يستحق عليها الحمد، فإذا حمده عليها استحق على حمده حمدًا آخر، وهلم جرا.

فالعبد ولو استنفد أنفاسه كلّها في حمد ربه على نعمة من نعمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فور ذلك، وأضعاف أضعافه، ولا يُحصي أحد البتة ثناء عليه بمحمدته، ولو حمده بجميع المحامد فالعبد سائر إلى الله بكل نعمة من ربه، يحمده عليها، فإذا حَمده على صرفها عنه، حمده على إلهامه الحمدُ. قال الأوزاعي: “سمعت بعض قوال ينشد في حمام، لك الحمدُ إمّا على نعمة وإما على نقمة تُدفع”

ومن عبودية الحمد: شهود العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه، فالرب سبحانه هو الذي ألهمه ذلك، فهو محمود عليه، إذ هو الذي أجراه على لسانه وقلبه، ولولا الله ما اهتدى أحد.

ومن عبودية الحمد: تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرها وباطنها على ما يحب العبد منها وما يكره، بل على تفاصيل أحوال الخلق كلّهم، بارهم وفاجرهم، عاليهم وسافلهم، فهو سبحانه المحمود على ذلك كلّه في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد حكمة ذلك، وما يستحق الرب تبارك وتعالى من الحمد على ذلك والحمد لله: هو إلهام من الله للعباد، فمستقل ومستكثر على قدر معرفة العبد بربه.

وقد قال النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حديث الشفاعة: “فأقع ساجدًا فيلهمني الله محامد أحمده بها لم تخطر على بالي قط”.

_______________________

المصدر: كتاب أسرار الصلاة للإمام ابن القيم.

مواضيع ذات صلة