النجاسة (2/1)

صورة للحوم الخنازير معلقة بعد ذبحها.

قال الله تعالى: “قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس…”

النجاسة:

النجاسة هي القذارة التي يجب على المسلم أن ينتزه عنها ويغسل ما أصابه منها.
قال الله تعالى: “وثيابك فطهر” (سورة المدثر- الآية 4).  وقال تعالى: “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.” (سورة البقرة- الآية 222).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “الطهور شطر الايمان” (رواه مسلم).

أولا: أنواع النجاسات

1- الميتة:

وهي ما مات حتف أنفه: أي من غير تذكية، ويلحق بها ما قطع من الحي، لحديث أبي واقد الليثي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما قط من البهيمة وهي حية فهو ميتة” (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم).

ويستثنى من ذلك:
أ – ميتة السمك والجراد، فإنها طاهرة، لحديث ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال” (رواه أحمد والشافعي وابن ماجه والبيهقي والدارقطني، والحديث ضعيف، لكن الإمام أحمد صحح وقفه، كما قاله أبو زرعة وأبو حاتم، ومثل هذا له حكم الرفع، لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم علينا كذا مثل قوله: أمرنا ونهينا، وقد تقدم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم في البحر): (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

ب – ميتة ما لا دم له سائل كالنمل والنحل ونحوها، فإنها طاهرة إذا وقعت في شئ وماتت فيه لا تنجسه.
قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في طهارة ما ذكر إلا ما روي عن الشافعي والمشهور من مذهبه أنه نجس، ويعفى عنه إذا وقع في المائع ما لم يغيره.
ح – عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وجلدها، وكل ما هو من جنس ذلك طاهر، لأن الأصل في هذه كلها الطهارة، ولا دليل على النجاسة.
قال الزهري: في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: “أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسًا” (رواه البخاري).

وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: “تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: “وهلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: “إنما حرم أكلها” (رواه الجماعة إلا أن ابن ماجه قال فيه: عن ميمونة، وليس في البخاري ولا النسائي ذكر الدباغ).

وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قرأ هذه الاية: “قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة” (سورة الأنعام- الآية 6)  إلى آخر الاية، وقال: إنما حُرم ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والقد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال” (رواه ابن المنذر وابن حاتم).
وكذلك أنفحة الميتة ولبنها طاهر، لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس، وهو يعمل بالأنفحة، مع أن ذبائحهم تعتبر كالميتة، وقد ثبت عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) أنه سئل عن شئ من الجبن والسمن والفراء، فقال: “الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه”.
ومن المعلوم أن السؤال كان عن جبن المجوس، حينما كان سلمان نائب عمر بن الخطاب على المدائن.


2 – الدم:

سواء كان دما مسفوحًا – أي مصبوبًا – كالدم الذي يجري من المذبوح، أم دم حيض، إلا أنه يعفى عن اليسير منه، فعن ابن جريج في قوله تعالى: (أو دما مسفوحًا) قال: المسفوح الذي يهراق.
ولا بأس بما كان في العروق منها، (أخرجه ابن المنذر) وعن أبي مجلز في الدم، يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون في أعلى القدر؟ قال: لا بأس، إنما نهى عن الدم المسفوح، أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ.

وعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: “كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر”، وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، (ذكره البخاري).

وقد صح أن عمر (رضي الله عنه) صلى وجرحه يشعب دمًا، قاله الحافظ في الفتح: وكان أبو هريرة (رضي الله عنه) لا يرى بأسًا بالقطرة والقطرتين في الصلاة.
وأما دم البراغيث وما يتشرح من الدمامل فإنه يعفى عنه لهذه الآثار وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: ليس بشئ، وإنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح.
وقال ابن تيمية: ويجب غسل الثوب من المدة والقيح والصديد، قال: ولم يقم دليل على نجاسته، انتهى. والأولى أن يتقيه الإنسان بقدر الإمكان.


3 – لحم الخنزير:

قال الله تعالى: “قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس…” (سورة الأنعام- الآية 145)

أي فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة، فالضمير راجع إلى الأنواع الثلاثة، ويجوز الحرز بشعر الخنزير في أظهر قولي العلماء.
4، 5، 6 – قئ الآدمي وبوله ورجيعه:

ونجاسة هذه الأشياء متفق عليها، إلا أنه يعفى عن يسير القئ ويخفف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى في تطهيره بالرش لحديث أم قيس رضي الله عنها: “أنها أتت النبي (صلى الله عليه وسلم) بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وأن ابنها ذاك بال في حجر النبي (صلى الله عليه وسلم)، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلا”  (متفق عليه).

وعن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل” قال قتادة: وهذا ما لم يُطعما فإن طعما غسل بولهما، ورواه أحمد -وهذا لفظه- وأصحاب السنن إلا النسائي.
قال الحافظ في الفتح: وإسناده صحيح، ثم أن النضح إنما يجزئ مادام الصبي يقتصر على الرضاع.
أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف.
ولعل سبب الرخصة في الاكتفاء بنضحه ولوع الناس بحمله المفضي إلى كثرة بوله عليهم، ومشقة غسل ثيابهم، فخفف فيه ذلك.

____________________________

المصدر: كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق.

مواضيع ذات صلة